الشوكاني
109
فتح القدير
نكذب ) بالفاء والنصب ، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج ، وقال أكثر البصريين : لا يجوز الجواب إلا بالفاء . قوله ( بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ) هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق : أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد بل هو لسبب آخر ، وهو أنه بدا لهم ما كانوا يخفون : أي يجحدون من الشرك وعرفوا أنهم هالكون بشركهم فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة ، وقيل بدا لهم ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم ، وقيل بدا لهم ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى - وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون - وقال المبرد : بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه وهو مثل القول الأول ، وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كان الغواة يخفون عنهم من أمر البعث والقيامة ( ولو ردوا ) إلى الدنيا حسبما تمنوا ( لعادوا ) لفعل ما نهوا عنه من القبائح التي رأسها الشرك كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند ( وإنهم لكاذبون ) أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا ، وقيل المعنى : وإنهم لكاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان . وقرأ يحيى بن وثاب ( ولو ردوا ) بكسر الراء لأن الأصل رددوا فنقلت كسرة الدال إلى الراء ، وجملة ( وإنهم لكاذبون ) معترضة بين المعطوف وهو وقالوا . وبين المعطوف عليه وهو لعادوا : أي لعادوا إلى ما نهوا عنه ( وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا ) أي ما هي إلا حياتنا الدنيا ( وما نحن بمبعوثين ) بعد الموت ، وهذا من شدة تمردهم وعنادهم حيث يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث . قوله ( ولو ترى إذ وقفوا على ربهم ) قد تقدم تفسيره في قوله ولو ترى إذ وقفوا على النار ) أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم ، وقيل على بمعنى عند . وجواب لو محذوف : أي لشاهدت أمرا عظيما ، والاستفهام في ( أليس هذا بالحق ) للتقريع والتوبيخ : أي أليس هذا البعث الذي ينكرونه كائنا موجودا ، وهذا الجزاء الذي يجحدونه حاضرا . ( قالوا بلى وربنا ) اعترفوا بما أنكروا وأكدوا اعترافهم بالقسم ( قال قذفوا العذاب ) الذي تشاهدونه وهو عذاب النار ( بما كنتم تكفرون ) أي بسبب كفركم به أو بكل شئ مما أمرتم بالإيمان به في دار الدنيا . وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( ثم لم تكن فتنتهم ) قال : معذرتهم . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عنه ( ثم لم تكن فتنتهم ) قال : حجتهم ( إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ) يعني المنافقين والمشركين قالوا وهم في النار : هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا ، فقال الله ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ) في القيامة ( ما كانوا يفترون ) يكذبون في الدنيا . وأخرج ابن جرير وابن المنذر عنه في قوله ( والله ربنا ما كنا مشركين ) ثم قال - ولا يكتمون الله حديثا - قال بجوارحهم . وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ( انظر كيف كذبوا على أنفسهم ) قال : باعتذارهم الباطل ( وضل عنهم ما كانوا يفترون ) قال : ما كانوا يشركون . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله ( ومنهم من يستمع إليك ) قال : قريش ، وفى قوله ( وجعلنا على قلوبهم أكنة ) قال : كالجعبة للنبل . وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا ) قال : يسمعونه بآذانهم ولا يعون منه شيئا ، كمثل البهيمة التي لا تسمع النداء ولا تدرى ما يقال لها . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي قال : الغطاء أكن قلوبهم أن يفقهوه ، والوقر الصمم ، و ( أساطير الأولين ) أساجيع الأولين . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : أساطير الأولين : أحاديث الأولين . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال : أساطير الأولين : كذب الأولين وباطلهم .